in

بوفتين: أسواقنا القديمة يؤمها مئات التجار من الخارج

أجرى الحوار جاسم عباس –

الحنين إلى الأيام الخوالي، تبقى الجامع المشترك بين الرعيل الأول ومن عاش في الكويت في عصر ما قبل النفط أو في مرحلة الاستقلال وما بعدها، في هذا اللقاء رحلة مع الذكريات ومع الماضي، نغوص في ثناياه، فنبحث وننقب عنه، مع الذين عايشوه تسجل لهم صفحات من عبق التاريخ ففيه رسالة وعبرة للأجيال.

في مستهل لقائنا عن الأسواق القديمة في الكويت التقينا عبدالله أحمد سلطان بوفتين، الذي قضى عمره في السوق من ثمانين سنة.
قال: جدي سلطان كان طراحاً يطرح بضاعته من الخضار والفواكه القادمة من الفرضة (مرسى السفن) على أصحاب المحال، وهو أيضاً لديه محل للبيع، كان جدي يرتدي إزاراً «وزار» عوضاً عن السروال كعادة الرجال في القديم كان يطوي الوزار حول البطن وكان لون وزار جدي أحمر اللون، وهذا الإزال (الوزار) يسمى أيضاً «فتني» وينادونه أبوفتني فجاء اسم جدنا بوفتين بدلاً من أبو فتني.
قال: أنا من مواليد 1932 في الحي الشرقي، أتذكر ان دائرة المعارف قريبة من فريج القناعات تحولت إلى مدرسة الوسطى للبنات، وجاء اسم الوسطى لأنها واقعة بين الشرق والقبلة، وتحولت إلى دار لرعاية المسنين، وأنا كنت أزور أحد أقربائي ثم تغير اسمها بعد إنشاء دائرة الشؤون إلى دار الرعاية فقط.

الدراسة.. العمل
أضاف أبو صبيح: درست عند الملا بلال، ومن ثم عند الملا حمادة في فريج الشويخ، ثم عند زكريا الأنصاري في سكة ابن الدعيج، والفصول الدراسية كانت في بيوتهم غرفة من غرف البيت، وأخيراً درست في المدرسة الجعفرية والدراسة كانت من 3 مراحل، التمهيدي والابتدائي والثانوي ولا توجد المرحلة المتوسطة في تلك السنوات، زملائي واصلوا تعليمهم وأنا عملت مع والدي في سوق الخضار، وتعلمت منه التجارة (البيع والشراء بالجملة)، وحصلت على محل من والدي عام 1950م، وأصبحت طراحاً، وبفضل الله تعالى زبائني يأتون من الأحمدي والمقوع لشراء الخضار والفواكه بعد تسلم رواتبهم وهم من الجاليات الهندية والباكستانية والعراقية، وكانوا يتسوّقون كل نهاية الأسبوع، يأخذون معهم الرز والسكر والشاي ومعجون الطماطم والدهن والبهارات، كان محليا وما زال في سوق الخضرة مدخل سوق الحلوى.
وقال: من المربين الأوائل الأفاضل تعلمنا كيف نتعامل مع بعضنا ومع الزبائن، وتعلمنا الصبر والرفق والفضيلة وادخال السرور في قلب المشتري، وطيب الكلام، والتوكل على الله في كل شيء، والشكر على كل نعمه، وتعلمنا الكثير خاصة الأنس بالله، وسمعنا من كبار السن ان الله يحب من أحبه، ومؤنس من آنس ذكره، ومختار لمن اختاره، وأخيراً كل هذه الأسواق المتقاربة وسكيكها الان سميت المباركية، نسبة الى قربها من المدرسة المباركية وكشك مبارك.
وأضاف: كان إيجار المحل بالروبيات، وبعد تغيير العملة أصبح 13 ديناراً وكان الوكيل الذي يتسلم الإيجارات (أحمد عبدالكريم أبل) وما زالت الايصالات موجودة عندي، وأخيراً تحولت المحال إلى أملاك الدولة، بعد ان كانت للشيخ عبدالله السالم الصباح رفعوا الإيجارات إلى 260 ديناراً وأكثر.
وقال: أنا أَقْدَم واحد في السوق، ومعي راشد ماجكي وفيصل خان، وما زلنا نحن الثلاثة نتردد ونتقابل في سوق الخضرة كل يوم، وإذا لم نجتمع ونتجوّل في سكيك وأفرع السوق نشعر بالتعب والارهاق والقلق والانعزال، لأننا تربينا في هذه الأسواق.
وأضاف أبو صبيح: أصحاب المحال أتذكرهم: حجي الخباز، وحبيب الخباز، دكان علي، عبدالرزاق المحميد، عبدالله المحري الغديري، جاسم بومحمد، حسن مقامس، بدر بوعباس، محمد بوعباس، وعيال عبدالعالي (الرامزي)، وهناك بسطة لعبد الرسول بوعباس، ودكان سيد نعمة كان يعرض تشكيلة من الأجبان، خاصة الجبن القصباوي (القصبة)، وفي سوق اللحم عيال الخليفة والوهيب وشهاب، وبعد سوق اللحم دكان بوزيود، الوزان، القطان، ثم تأتي سكة الشعير أول محل لأحمد المحميد، كان يعرض أغراشاً صغيرة للماء، ثم محال لبيع الجت (البرسيم) ودكان محمد الوزان بالجملة كل أنواع المواد الغذائية، ومحل عباس آغا علي ودكان المنيس حجي سهيم وأحمد كمال، وملا إبراهيم.

التناكة
قال أبو صبيح: كنا نشاهد التناكة جمع «التناك» المحترف في صناعة المحاقين (محكان) وعلب وأباريق، وكل آنية تصنع من التنك (صفائح من الحديد المطلي بالقصدير) والتناك اهتمامه صناعة البمب (مضخة تستعمل لنقل الكيروسين من الغالون إلى أعلى)، سوق نشط كان بالقرب من سوق التمر مدخله على سوق الغربللي، وبالقرب أيضاً من سوق الخضرة والشعير، وقد شيّد سوق التناكة في عهد الشيخ مبارك الصباح، وفي عهد الشيخ أحمد الجابر الصباح فقط لصناعة وبيع الأواني، بعد ان كان يباع فيه بعض المواد الغذائية كالفقع، وتوسّع عدة مرات فكان بيع التتن بالقرب منه لبيع الصقور، وكان يفصله عن سوق الغربللي ممر ضيق، وكنا نشاهد ربات البيوت يأتين حاملات علب الصفيح لتلحيمها من كثرة الاستعمال، وحتى المرازيم جمع (مرزام) لنزول مياه الأمطار من الأسطح إلى البرك.
وقال: محلاتنا يوجد فيها ميزان معلّق في سقف المحل ولكي نوزن البضاعة للمشتري نقوم بربط الميزان بواسطة سلسلة طويلة وتحتها نحفر حفرة نقف بداخلها لكي نصل إلى الميزان المعلق، والوزن كان بالوقية والرطل، الوقية الواحدة =5 أرطال، والمن 37 وقية، كل 2 كيلو وربع وقية واحدة، ولا ننسى في هذه الأسواق دكان صالح المسلم بائع المعدن، وداود القناعي لبيع البهارات، وكان يضع البهارات في أكياس من الورق بعد تفريغها من الأسمنت وتصنع كل شكل مخروطي من أيدي النساء من «شريص» عبارة عن طحين وماء.

سوق الدهن
وتحدث عن الدهن الأصلي (عداني) من أغلى الدهون يجلب بالعكوك (عكة) من البر، خاصة في الجنوب منطقة العدان، وبائع الدهن في السوق يحفظه بعلب الصفيح، وكأني أشاهد التنك الآن، أما محلات الباعة، فكان المشتري يتذوق طعم السمن ليتأكد من جودته، وعندما يعجبه يفتح البستوك (طاسة).
وقال: أسواقنا كانت عامرة، كل من يخرج منها بيده أكياس من البضاعة منها المشهورة: سوق البشوت، الجت، الحريم، بن دعيج، الغربللي، الطراريح، المقاصيص، السمك، التجار، الداخلي، الصفافير، الحلوى، اللحم، سكة غنرة، سوق الماء، السلاح، الحريم.. إلخ.

نقل البضائع والماء

– نقل البضاعة من الأسواق إلى البيوت بواسطة شخص يحملها إلى المكان المطلوب يسمى حمالي.
– حمالي أبو جلة، أي الزنبيل، وحمالي سدار، وحمالي الفرضة ينقل من السيف إلى المحلات والمخازن.
– راعي عربانة أيضاً يعتبر «حمالي»، ولكن بواسطة عربة تجرها البغال أو الحمير.
– نقل الماء من البرك أو الآبار بواسطة الحَمَّار هو صاحب الحمار، وأيضاً كان ينقل الطين والصخر.
– أما نقل الماء إلى البيوت، مستخدماً علبتين من التنك وعصا على كتفه فيسمى «الكندري» الذي قدم خدمات للأهالي بنقله الماء من السفن.