in

الانتخابات الأميركية معركة بين المليارديرات

مايكل بلومبيرغ من أكبر المتبرعين للانتخابات | غيتي

محمد أمين –

يحظى الحزب الجمهوري بدعم عدد من المليارديرات من الوزن الثقيل، مثل شيلدون أديلسون، وعائلة كوش. وفي الطرف الآخر، يجد الحزب الديموقراطي التأييد من المانحين الكبار للتبرعات، مثل توم ستير وجورج سوروس، إضافة إلى مايكل بلومبيرغ، الذي يعتبر واحداً من أثرى اثرياء أميركا، والذي تعهد بإنفاق ما لا يقل عن 80 مليون دولار لدعم المرشحين الديموقراطيين لمجلس النواب في الانتخابات النصفية.

لعب الناس من المواطنين العاديين، الذين لا يملكون حسابات مصرفية كبيرة، دوراً في نتائج انتخابات نوفمبر الجاري. فقد أدلوا بأصواتهم في صناديق الاقتراع في نهاية الأمر. ولكن السياسة الاميركية ــ اضافة الى الحياة المدنية بدرجة كبيرة ــ تتحول أكثر فأكثر، الى رياضة يتنافس فيها المليارديرات وعلية القوم، ويكتفي فيها المواطنون بالمشاهدة.
وبالطبع، فإن النفوذ الكبير للأغنياء ليس بالأمر الجديد، لكن لعبة التأثير هذه تتغير مع تنامي نفوذ المال وزيادة تأثيره في مجالات أكثر باستخدام مجموعة أكثر تعقيداً من الاستراتيجيات. فقبل يوم واحد من انتشار الأخبار حول تبرع بلومبيرغ الضخم للانتخابات، على سبيل المثال، اوردت صحيفة تايمز تقريراً عن نجاح جهود مجموعة مدعومة من عائلة كوش لقتل مبادرات النقل العام في جميع أنحاء البلاد.
وفي الأسبوع ذاته، نشرت صحيفة الغارديان نقلاً عن «مؤسسة عائلة والتون» ــ التي ساعدت بالفعل في تمويل ربع جميع المدارس المستقلة في الولايات المتحدة ــ عن نيتها تقديم 100 مليون دولار أخرى كمنح دراسية. وفي هذا الوقت، أطلق الناشط الملياردير توم ستاير إعلاناً جديداً يهاجم فيه الرئيس دونالد ترامب، والذي يظهر اصوات الأطفال، وهم يبكون في مراكز احتجاز المهاجرين. وجاء الإعلان كجزء من حملة ستايرغير المسبوقة للمطالبة بعزل ترامب. لقد أنفق ملايين الدولارات على هذه الحملة، إضافة إلى 200 مليون دولار قدمها كمساهمات سياسية منذ عام 2014.
واعتماداً على السياسة التي ينتهجها كل مرشح، يمكن أن يبتهج أو يخشى من تأثير إنفاق كبار المتبرعين. وفي الحقيقة، يجب أن يشعر الاميركيون بالقلق بشأن كل هذا الإنفاق. وبفضل الكثير من العوامل، يبدو أن عدم المساواة الاقتصادية تترجم إلى تفاوت مدني بوتيرة أسرع وبطرق تمس المزيد من قطاعات المجتمع الأميركي.

الأثرياء زادوا ثراء
لقد أصبح الأغنياء أكثر ثراءً في السنوات العشر أو الخمس عشرة الأخيرة. ففي عام 2005، كانت عائلة كوش تمتلك حوالي 9 مليارات دولار. الآن، تملك أكثر من 100 مليار دولار. وأضاف مايك بلومبيرغ مبلغ 46 مليار دولار إلى ثروته خلال الفترة نفسها، في حين أن جيف بيزوس ــ الذي كان يستعرض عضلاته المدنية كمالك لواشنطن بوست ويقال إنه يخطط لخطوة كبيرة في الأعمال الخيرية ــ تمكن من مضاعفة ثروته أكثر من 30 مرة عما كان يمتلكه في عام 2005، حيث بلغ اجمالي ثروته 144 مليار دولار.
وبوجود اصحاب الجيوب العميقة اكثر من أي وقت مضى، أمكن للأغنياء أن يمارسوا نفوذهم على نواحي الحياة المختلفة، بل هذا ــ بالضبط ــ ما يفعله بعضهم الآن. وهو الشيء الثاني الذي تغير بشأن لعبة قوة النخبة. وبشكل متزايد، يضع كبار المانحين الأموال في الانتخابات وفي المؤسسات الخاصة والمؤسسات الاعلامية التي تتبنى أجندة ايديولوجية معينة.
لكن روبرت ميرسر يعتبر نموذجاً للمولين البارعين. فالمؤسسة العائلية التي يديرها مع ابنته ريبيكا تقدم ملايين الدولارات في شكل منح إلى المجموعات السياسية المحافظة كل عام، ولكن ميرسر كان أيضا من بين أكبر المتبرعين لحملة الحزب الجمهوري في عام 2016، كما أنه من كبار المستثمرين في مؤسسة بريتبارت الاعلامية الموالية للرئيس ترامب. لقد لعب اركان عائلة ميرسر من بين اقوى الشخصيات السياسية في السنوات القليلة الماضية. ولم يكن ذلك ممكنا لولا نجاح روبرت ميرسر في عالم صناديق التحوط.

يسار الوسط
ويعتبر بلومبيرغ نموذجاً آخر على المانح متعدد الوجوه، وعلى نطاق واسع. فبالإضافة إلى استثمار مئات الملايين من الدولارات في مسيرته السياسية الخاصة، وتولي رئاسة بلدية نيويورك لثلاث ولايات، فقد استخدم تبرعاته الخيرية والسياسية لدفع أجندته بشأن قضايا مثل تغير المناخ وامتلاك الاسلحة والتعليم. ويوشك الآن، أن يصبح أكبر مانح على الإطلاق خلال الانتخابات النصفية. وهذا الانفاق لا يمثل سوى مجرد جزء بسيط من صافي ثروته. ويؤسس دعم بلومبيرغ للديموقراطيين ولقضايا مثل التغيرات المناخية لحدوث تغير ثالث في المعركة الدائرة بين كبار الاثرياء حول مستقبل الولايات المتحدة، تتمثل في زيادة أموال التبرعات الجديدة من المانحين من يسار الوسط.
يعود هذا التحول إلى رئاسة جورج دبليو بوش، عندما انطلق الديموقراطيون الأثرياء لموازنة مكاسب المحافظين. لقد خلطوا بين التبرعات الخيرية والسياسية لتمويل إنشاء التحالف الديموقراطي، ومركز اميركا التقدمية وغيرها من المؤسسات. ومنذ ذلك الحين، تحرك المليارديرات الآخرون لدعم القضايا التقدمية، وشمل ذلك المؤسس المشارك لـفيسبوك، داستن موسكوفيتز ــ الذي تبرع بـ 27 مليون دولار للمساعدة في هزيمة ترامب في انتخابات عام 2016، وستاير، الذي أصبح متبرعا كبيرا بعد تقاعده.
قد تبدو الأموال الجديدة المتدفقة من المانحين الأثرياء من يسار الوسط، وخاصة ردا على انتخاب ترامب، وكأنها علامة على أن التعددية الأميركية ما تزال حية ومتعافية. نعم، الحياة العامة يلعب فيها المال تأثيرا بشكل متزايد، ولكن لا نسمع الكثير من وجهات النظر كطبقة عليا أكثر تنوعا أيديولوجيا تدعم مختلف الأسباب والمرشحين؟

شعبوية ترامب
ويعتمد الحزب الديموقراطي والبنية التحتية التقدمية كثيرا على الرعاة الذين ازدهروا في ظل الشكل الحالي للرأسمالية في أميركا، ولا يهتمون باجراء إصلاحات رئيسية في ذلك النظام، مهما خذل العمال العاديين. في عام 2016، ملأ ترامب هذا الفراغ مع علامته التجارية الخاصة بالشعبوية الاقتصادية.
كان هناك أيضا غياب في التعددية بين المانحين الأثرياء في مجالات أخرى. فلعائلة كوش تأثير كبير على سياسة النقل نظرا لعدم وجود قوة توازي قوتها المالية. ويمكن أن يكون أهم المانحين مؤثرين بشكل خاص في بعض الولايات والمحليات، حيث لا توجد مجموعة متنوعة من المانحين. فعلى سبيل المثال، يمتلك الملياردير إيلي برود نفوذا كبيرا في لوس أنجلوس خاصة في مجال التعليم.
ليس هناك طريقة سهلة لمواجهة القوة المتصاعدة لهؤلاء المواطنين الفائقي القوة. ربما يساعد إصلاح تمويل الحملات في ذلك، لكن تأثير الإنفاق يمتد إلى ما هو أبعد من الانتخابات، حيث يتم استخدام العمل الخيري كسلاح في المعركة السياسية.
في نهاية المطاف، يكمن الحل الأفضل للتفاوت المدني الجديد في حركات اجتماعية قوية تقوم بتحويل الأميركيين من مجرد متفرجين إلى ناشطين. وأحد أكثر الاتجاهات المطمئنة في السنوات الأخيرة أننا رأينا الكثير من هذا الاتجاه، مثل حزب الشاي وحركة «احتلوا» و«حياة السود هامة» وحركة MeToo للدفاع عن حقوق المرأة.
والآن نحتاج إلى المزيد من هذه الحركات التي تمتد إلى المزيد من القضايا والمزيد من المجالات، خاصة عدم المساواة الاقتصادية. وإلا، فإنه من الصعب أن نرى كيف يمكن للولايات المتحدة تفادي الدخول في حقبة جديدة من حُكم الأثرياء (البلوتوقراطية).

المصدر