in

عين روسيا على ثروات دول شرق أفريقيا

السكرتير الأول في السفارة الروسية في بانغي عاصمة افريقيا الوسطى

سليمة لبال –

تسعى روسيا منذ عام 2015 إلى تعزيز تواجدها العسكري في القارة السمراء، في محاولة لكسر العزلة الدبلوماسية التي فرضتها عليها العقوبات الغربية، والبحث عن آفاق اقتصادية جديدة، من خلال استغلال الثروات الطبيعية التي تزخر بها عدة دول افريقية، مما أثار انزعاج فرنسا التي لا ترغب هي الآخرى في التخلي عن مستعمراتها السابقة.

يثير تواجد عدد من العسكريين الروس في بانغي، عاصمة افريقيا الوسطى، هواجس في فرنسا، التي بدأت فعليا بالتساؤل بحسب لوفيغارو، عن طموحات موسكو في المستعمرة الفرنسية القديمة، وفي افريقيا كلها، خاصة أن هؤلاء العسكريين، هم في الغالب، مرتزقة، يعملون لمصلحة شركات خاصة.
بدأت فرنسا وفق صحيفة لوفيغارو مطلع 2017، البحث عن طريقة تزود بها جنودا من افريقيا الوسطى بالسلاح، بعد أن دربتهم بعثة أوروبية، لكن الرغبة الفرنسية اصطدمت بحجم الكلفة العالي، فبرزت فكرة أخرى، وهي منحهم شحنة أسلحة تم حجزها في المحيط الهندي، ولأن القانون الدولي يشترط تدميرها، كان ينبغي الحصول على موافقات.
دعم مجلس الامن هذا التوجه، لكن موسكو عارضت، مما دفع الحكومة الفرنسية الجديدة إلى أن تحول الرئيس فوستانأرشانج تواديرا إلى روسيا.

الهدية الروسية
التقى رئيس افريقيا الوسطى بسيرغي لافروف في سوتشي. وهناك اقترح وزير الخارجية الروسي على ضيفه قبول هدية روسية تتضمن 5200 كلاشينكوف و840 رشاشا و270 قاذفة صواريخ.
لم يكن أمام الأمم المتحدة سوى تأييد الخطوة الروسية، لتصل الاسلحة الى بانغي مطلع 2018، لكن في المقابل نشرت موسكو رسميا 175 مدربا في افريقيا الوسطى، بينهم 5 عسكريين و170 مدنيا لتدريب القوات المسلحة في هذه الدولة الافريقية.
وقد أعلنت روسيا الأسبوع الماضي أنها أوفدت 60 مدربا إضافيا إلى المنطقة، وبدا أن السيطرة الروسية على هذا البلد الصغير أصبحت حقيقة، حيث استبعد رئيس أفريقيا الوسطى القبعات الزرق الرواندية، الذين كان يُؤمنون حمايته، واستبدلهم بقوة روسية، يقودها فاليري زاخاروف، وهو رجل مرتبط ارتباطا وثيقا بالاستخبارات الروسية، ويحمل مسمى مستشار أمني.
وفي الـ21 اغسطس الماضي، وقعت روسيا مع افريقيا الوسطة اتفاقية دفاعية، لم تكشف بعد تفاصيها. ويأتي هذا التطور، بينما تعيش افريقيا الوسطى منذ 2012 على وقع أزمة، بين جماعات متمردة إسلامية (جماعة سيليكا سابقا) تسيطر على شمال وشرق البلاد وميليشيات انتي بالاكا المسيحية، التي تسيطر على غرب البلاد والحكومة.

هل تريد موسكو طرد باريس؟
على الرغم من أن موسكو تنفي، فان وجود عسكريين روس، يؤكد هذا التوجه، ذلك انها ملأت الفراغ الذي خلّفه رحيل القوات الفرنسية التي عملت في البلاد بين عامي 2013 و2016، غير ان الكرملين لم يتوقف عند هذا الحد وفق الفرنسيين، حيث أطلق حملة صحافية معادية لفرنسا من خلال قناة روسيا توداي وصحافة افريقيا الوسطى والتلفزيونات الكاميرونية.
كما أطلقت الدبلوماسية الروسية مفاوضات سلام بين الجماعات المسلحة، تقوم على تقاسم السلطات ومداخيل المناجم بين المتمردين والحكومة. وفي اغسطس الماضي جمعت ندوة في الخرطوم كل الفاعلين. وقد أقيمت هذه الندوة أسابيع فقط قبل اجتماع آخر نظمه الاتحاد الافريقي، الذي يحاول بدعم من الأمم المتحدة وفرنسا والمجموعة الدولية، التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة. ويقول دبلوماسي لصحيفة لوفيغارو إن التحرك الروسي خطر على افريقيا الوسطى، لأنه يقوّض عمل الاتحاد الافريقي.
وأما باريس ففضّلت الحذر في الرد. ففي الربيع الماضي، قام وزير الخارجية جان إيف لودريان بجولة لبحث ملف افريقيا الوسطى مع الكونغو وتشاد والاتحاد الافريقي. وفي سبتمبر، قال لودريان «مبادرة السلام التي يشرف عليها الاتحاد الاوروبي هي الاطار الوحيد الذي تتفق عليه المجموعة الدولية للخروج من هذه الأزمة المستمرة».

التحركات الروسية
نشاطات روسيا في جمهورية افريقيا الوسطى كثيرة وغامضة جدا. فبينما أقام الفريق الذي جاء من موسكو معسكر التدريب الخاص به في بيرونغو وهو قصر سابق، كان يملكه الامبراطور بوكاسا ويبعد عن العاصمة بــ65 كلم، أقام جنود آخرون في العاصمة. ونقلت صحيفة لوفيغارو عن مصدر مطلع في بانغي قوله «إن المدربين العسكريين يقومون بعملهم ولا شيء غير ذلك. لكن هناك 170 مدنيا آخرا، وتشير بعض المعلومات إلى أن العدد ارتفع خلال الشهور القليلة الماضية ليصل إلى 400».
وقصر بيرونغو الذي يمتد على مساحة تصل الى 40 هكتارا، مزود بمدرج لهبوط الطائرات ويمكن من خلاله تهريب السلاح. ويرتبط هؤلاء المدنيون رسميا بشركة غريبة اسمها سيوا سيكوريتي سارفيسز، التي تأسست في عام 2017 في بانغي، لكن في الواقع يرتبط اغلب هؤلاء المدنيين بمجموعة عسكرية خاصة، لا وجود قانونيا لها، هي شركة وينر.
وقد لقي ثلاثة صحافيين روس مصرعهم بشكل غامض في نهاية يوليو الماضي في جمهورية افريقيا الوسطى أثناء قيامهم بتحقيق عن الشركة.
ومرتزقة وينر عملوا في دونباس في اوكرانيا في 2013 وهاجروا في 2017 إلى سوريا بعد التوقيع على اتفاق لاستغلال حقل نفطي وغازي مع روسيا وفي ابريل الماضي، يقول مصدر مطلع انهم انتقلوا عبر رحلة مباشرة من دمشق الى بانغي، وبهذه الطريقة وصلوا الى افريقيا الوسطى، بحثا عن فرص جديدة وليلتحقوا بمرتزقة روس آخرين، قدموا من السودان الذي تنشط فيه موسكو منذ بضعة أعوام.
ومؤسس وينر هو إيفقيني بريغجين وهو مقرب من بوتين ورجاله شوهدوا في عدة مناطق في البلاد، خصوصا في بريا وهي مدينة تقع الى الشرق وغنية بالذهب والماس.
وحتى يتمكن الروس من التغلغل في هذه المدينة، أهدوها في مايو الماضي مستشفى كما أشرفوا على عمليات لقوات افريقيا الوسطى مثلما حصل في بانغي في ابريل ومايو وفي باغاسو في الصيف الماضي.

هل من أهداف اقتصادية؟
يقول رجل أعمال من افريقيا الوسطى وفق ما نقلته «لوفيغارو» إن الروس لا يخترعون شيئا. ويضيف «تدخلهم عسكري لكنهم يأملون في الحصول على ربح مالي من خلال استغلال الموارد الطبيعية للبلد مثلما فعلوا في ليبيا في زمنهم».
ومن تتكفل بهذا الجانب المالي، هي شركة أخرى تدعى لوباي انفست. انشئت هذه الشركة في أكتوبر 2017 ويديرها رسمياً وفق الاعلام الروسي شخص يدعى إيفغيني كودوتوف، وهو خمسيني كان يعمل سابقا في قوات الامن في سانت بيترسبورغ، وهو رئيس أم فاينانس، وهي شركة مختصة في استغلال الاحجار الثمينة. لكن بالنسبة إلى كثيرين فإن المسؤول عن كل هذا ليس سوى إيفغيني بريغوجين. وقد قام عدد من رجال وينر بتوفير الحماية لمعدات تنقيب أثناء نقلها. وتملك أفريقيا الوسطى موارد طبيعية مهمة، بينها الماس والذهب واليورانيوم. ويقول رجل الاعمال ذاته إن الاحجار النفيسة والذهب موزعة في مناطق واسعة وان الامر لا يتعلق بمناجم، تستطيع القوات الامنية حمايتها بسهولة. والمناطق الغنية تخضع غالبيتها للمجموعات المتمردة التي كانت تسمى في وقت سابق سيليكا، لذلك يتطلب الامر مفاوضات حتى تتم عملية الاستغلال.

هل من طموحات أوسع؟
تثير نوايا روسيا الكثير من التساؤلات. وتصف العديد من المصادر افريقيا الوسطى بــ«المختبر» أو «الواجهة» في إطار مبادرات أوسع في القارة. ويتساءل دبلوماسيون واجهزة استخبارات، وفق «لوفيغارو»، عن التواجد الروسي الطويل المدى في أفريقيا. ويبدو ان روسيا تحاول كسر العزل الدبلوماسي الذي نجم عن العقوبات التي فرضها الغرب، من خلال استعادة تأثيرها على القارة السمراء، التي كانت تجمعها علاقات قوية مع الاتحاد السوفيتي سابقا.
وتبدو الدوافع منطقية، لكن محاولات روسيا مؤخرا للتواجد عسكريا في جيبوتي، حيث توجد قواعد فرنسية واميركية وصينية، باءت بالفشل بسبب الفيتو الاميركي، لذلك تسعى الى تعزيز تواجدها في شرق القارة، حيث نسجت علاقات قوية مع السودان وهذا العام بدأت بنسج علاقات وطيدة مع افريقيا الوسطى ودول عدة وقعت معها اتفاقيات دفاعية بينها تنزانيا وبورندي وبوتسوانا. ومنذ 2015 وقعت روسيا 19 اتفاقية دفاعية مع دول القارة ومنذ 2016 أصبحت افريقيا من اولويات الدبلوماسية الروسية، حيث زارها نائب وزير الخارجية المكلف بالقارة ميخاييل بوغدانوف اكثر من 50 مرة. ووفق مصدر فرنسي، يسعى الروس من خلال هذه العملية في افريقيا الوسطى الى استقطاب دول أخرى مثل أنغولا وغينيا الغنيتين بثرواتهما الطبيعية.

المصدر