in

التعيينات «الباراشوتية».. عنوانها «عندك واسطة توصل»!

أميرة بن طرف ومشاري الخلف وخالد الحطاب –

لا يبدو الحصول على منصب قيادي في البلاد في احدى الجهات الحكومية سهلا، وفق الاجراءات والضوابط الموضوعة من ديوان الخدمة المدنية، والتي تشترط المؤهلات والخبرة وتضع أولويات لمنتسبي الجهة دونا عن غيرهم، الا ان الواقع يؤكد «عندك واسطة توصل».
وقد لا يخلو حديث سياسي او حتى اقتصادي واجتماعي، من التطرّق الى تعيينات القياديين، وما يترتب عليه من سوء او حسن، ادارة للجهات والملفات العامة، فما إن يحدث خلل ما في احدى الخدمات المقدّمة للمواطنين، حتى يبدأ الحديث عن آثار تعيينات «الواسطة» و«حب الخشوم» والمحسوبيات وفقاً للمحاصصة والكوتا، او حتى الترضيات السياسية.

مواقع التواصل الاجتماعي، التي تعتبر دواوين السياسة الحديثة، تؤكد ان «التعيينات الباراشوتية» كما يرغب المغردون والكتّاب والمعنيون، تسميتها، تحدث خللا في الجهات الحكومية، فإسناد الامور في هذه المناصب بناء على الوساطة والمحاصصة والترضية، ادى الى اخلال كبير في عمل هذه الوظائف، وبالتالي ينتج عن ذلك الخلل في تقديم الخدمات بشتى انواعها للمواطنين والمقيمين.
البعض يتساءل: هل هناك آلية لاختيار اصحاب المناصب القيادية؟ وهل هناك شروط؟ نعم، وفق قانون الخدمة المدنية، فإن قائمة الاشتراطات تطول، وآخرها كان اشتراط اجتياز اختبار من الخدمة المدنية لتحديد مدى تأهيل المرشح لشغل المنصب.

قانون الخدمة المدنية
ووفقاً لقانون الخدمة المدنية، يقدّم الوزير 3 مرشحين لكل منصب قيادي في الجهة التابعة له، ويجب ان يحمل هؤلاء المرشحون شروطاً عدة ومؤهلات، فوفقا لمرسوم 296 لسنة 2015 يجب أن يكون جامعيا، وان يقدم كل مرشح خطة متكاملة للعمل وتطوير اختصاصاته في المنصب، وتحديد فترة زمنية لتطبيق الخطة، اضافة الى إجادة اللغة الإنكليزية والإلمام بالحاسب الآلي، مع اشتراط خبرة 22 عاماً للتعيين في الدرجة الممتازة، و20 عاماً لدرجة وكيل وزارة، و16 لدرجة وكيل مساعد، على أن تكون الخبرة وفقاً للمؤهل، مع اجتياز دورة تدريبية تؤهله للوظيفة القيادية.
ورغم الشروط المشددة في المرسوم، فإن القانون سمح لمجلس الوزراء بالاستثناء من بعض الشروط!
ووفقاً لآخر التعديلات، فإن التجديد لا يكون للقيادي الا لفترة واحدة، اي بمجموع 8 سنوات في منصبه، وبمجموع كلي بكل المناصب القيادية التي يتولاها 12 عاما فقط.

شرط الاختبار
وجرت اضافة شرط خضوع المرشحين للاختبار مؤخرا، حيث ان المستوفين الشروط لشغل المناصب القيادية يعرضون على مجلس الخدمة المدنية، للاختيار بينهم ويخضع من يقع عليه الاختيار لاختبار، ثم يرفع المجلس اسماء من يجتازون الاختبار الى مجلس الوزراء لاتخاذ ما يراه مناسبا.
ورغم تأكيدات رسمية بأن الاولوية في التعيين، في حال تساوى المرشحون في الشروط، للمرشح من ذات الجهة التي يراد تسكين شاغرها، فإن غالبا ما يرى منتسبو الجهات أن القياديين يتعيّنون بـ«البراشوت» من خارج الجهة، وفقا للمحاصصة والواسطة والمحسوبية!
ويرى مراقبون ان اتخاذ اسلوب الترضية، في التعيينات، يساهم بشكل اساس في انتشار الفساد خاصة الاداري، حيث من المحتمل ان تقصي هذه الطريقة اصحاب الكفاءة الذين لهم الحق في تولي هذه المناصب.

آراء أكاديمية
وأكد عضو هيئة التدريس في كلية العلوم الإدارية، د.حسن عباس أن الكويت عانت على مدار السنوات الماضية من ظاهرة التعيينات «الباراشوتية»، مشيرا الى أنها انتشرت بشكل كبير في كثير من الوزارات والمؤسسات، اضافة الى اعتماد كثير من المواطنين على الواسطة والمحسوبية في التوظيف، ما تسبّب في كثير من المشاكل والسلبيات.
وقال عباس لـ القبس: إن الكويت تراجعت في مجالات عديدة، وانتشر الفساد، معتبرا ان التعيينات والمناصب الباراشوتية أحد أسباب التراجع والفساد؛ وذلك لعدم اختيار أصحاب الكفاءات في المواقع المناسبة بشكل دائم في البلاد، وعدم تطبيق مقولة «الشخص المناسب في المكان المناسب» بالشكل الصحيح، والتي تكون عن طريق اختيار الشخص المتخصّص في مجاله والقادر على الإدارة والتطوير والانجاز.

طرق مختلفة
وأشار الى أن المحسوبية تتدخّل في التعيينات الباراشوتية عبر طرق مختلفة، منها القرابة والمعرفة الشخصية، إضافة الى الصوت السياسي، حيث يتم خلال اختيار وتوزيع المناصب في بعض المواقع والأحيان وفق الفئات والانتماءات، داعيا الى تكاتف المعنيين في مواجهة الظاهرة، والتي تسبّبت للدولة في مشاكل كثيرة وتراجعها في مجالات عديدة، لا سيما أن استمرارها يؤدي الى عواقب وخيمة.
وأكد عباس أنه من الممكن مواجهة ظاهرة التعيينات الباراشوتية عبر اتباع معايير ثابتة لتعيين أصحاب الكفاءات، تتضمن العدالة والشفافية، مشيرا الى أنه من الممكن اتباع نوع من السرية في لجان المقابلات الشخصية لاختيار أصحاب المناصب والوظائف في الدولة، بحيث لا يعرف أعضاء لجنة الاختيار للمنصب أو الوظيفة اسم المتقدم، بل يطلعون على سيرته الذاتية وشهادته العلمية وخبراته الوظيفية وقدراته الشخصية، ثم يحددون اختيارهم وفقاً لذلك.

مسؤولية وطنية
من جهته، اعتبر عضو هيئة التدريس في كلية العلوم الإدارية، د.عادل الوقيان، مواجهة ما يسمى التعيينات الباراشوتية أو الواسطة والمحسوبية في التعيينات والتوظيف في البلاد، مسؤولية وطنية وأخلاقية وكذلك مجتمعية مهمة وضرورية، لأن من سيتم اختيارهم ستكون لديهم مهام وواجبات محددة، إذا قصّروا في تنفيذها ستؤدي الى مشاكل وسلبيات عديدة.
وأشار الوقيان لـ القبس الى أنه من الصعب الحكم على مدى انتشار التعيينات الباراشوتية في الكويت، خلال الفترة الراهنة من دون دراسة موضوعية لمعرفة عدد الحالات، إلا أننا نشاهد بصراحة أن هنات بعض التعيينات، تتم عن طريق الولاء أو التبعية وغير ذلك، رغم أنه من المطلوب أن يكون الاختيار دائما لأصحاب الكفاءات والمؤهلات في المناصب والوظائف المختلفة، حتى يتمكن أصحابها من القيام بالأدوار والواجبات المطلوبة منهم بالشكل الصحيح.
وأكد أن عملية الاختيار في التعيينات يجب أن تكون وفقا لمعايير ثابتة ومحددة في مختلف وزارات وجهات الدولة، وتكون الأولوية في أي منصب أو وظيفة لصاحب التخصص في مجالها، حتى يكون قادرا على العطاء والانجاز بالشكل اللازم، ويتمكن من إدارة المرفق، حيث إن سوء الاختيار قد يتسبّب في أضرار ومشاكل.

تعليق الشواغر

في الوقت الذي يؤكد فيه المسؤولون التزامهم بتعيين اصحاب الخبرات في الوظائف القيادية والاشرافية في وزارات الدولة، كشف اشرافيون يعملون في جهات حكومية عدة شعورهم بالظلم، نظرا الى اختيار آخرين لتولي مهام شاغر قيادي برتبة وكيل مساعد.
ووفق مصادر لـ القبس في برنامج اعادة الهيكلة والجهاز التنفيذي للدولة، فإن المعني باختيار القياديين علّق شاغرين؛ أحدهما لوظيفة وكيل مساعد، وآخر لقيادة البرنامج بصفة أمين عام ورتبة وكيل وزارة، والاكتفاء بتعيين مديرة ادارة بوظيفة وكيل مساعد على مرسوم يخص هيئة القوى العاملة، بحجة انتظار القرار النهائي لدمج الجهتين. وذكرت المصادر أن عدداً من اصحاب الخبرات في الهيكلة يملكون شهادات دراسية وخبرات ادارية وأقدمية ما زالوا ينتظرون قرارات ترفيعهم الى درجة وكيل مساعد، بعد تدرّجهم الوظيفي، وصولا الى درجة مدير ادارة.
اما في المؤسسة السكنية، فما زال عدد من القياديين العاملين فيها ينتظرون تجديد مراسيم اعمالهم، نظرا الى انتهائها في مايو وسبتمبر الماضيين، الى جانب انتظار آخرين من مديري الإدارات قرارات محتملة لترفيعهم الى درجة وكيل مساعد، نظرا الى وجود شواغر في الدرجة ذاتها.
واشارت المصادر الى حالة من القلق في اوساط العاملين في المؤسسة، بعد تعيين وكلاء مساعدين مؤخرا من خارج «السكنية»، الى جانب تأثر عدد آخر من المديرين بالهيكل الجديد وعدم معرفتهم مصير خبراتهم الوظيفية: هل ستتحوّل الى المكتب الفني أو التقاعد، أو الترقية؟
وفي السياق ذاته، اشتكى مديرو إدارات في هيئة القوى العاملة من ترقية زملاء لهم لشغل وظيفة وكيل مساعد في ظل بقائهم في الدرجة ذاتها، رغم أقدميتهم وخبرتهم العليا، التي يتمتعون بها، متسائلين عن الطريقة او الصفات والشروط الواجب توافرها لنيل الترقيات.

الاختبار.. أداة الاختيار

رأى متخصّصون أن اضافة شرط اجتياز الاختبار لمرشحي المناصب القيادية من مجلس الخدمة المدنية، من شأنه العمل على اختيار الأكفأ للمنصب، اذا ما جرى الاختبار بعيدا عن المحسوبيات.

الطلبة يعتمدون الواسطة

قال عباس: لكوني أستاذاً في جامعة الكويت، فإني أرى كثيراً من الطلبة يضعون آمالهم على الواسطة في التعيين بالوظيفة التي يريدونها مستقبلا، بعد تخرّجهم، وذلك يبيّن أن الواسطة والمحسوبية في التعيينات باتتا ثقافة منتشرة في المجتمع الكويتي على مدار السنوات الماضية، وبالتالي لا بد من قيام الدولة بمواجهة الواسطة في التعيينات بالشكل المطلوب وحماية الكويت من آثارها وسلبياتها.

تكافؤ الفرص

شدّد الوقيان على ضرورة تكافؤ الفرص وتطبيق العدالة والشفافية في التعيينات بشكل دائم، وتطبيق مقولة «الشخص المناسب في المكان المناسب»، لافتا الى أنه في حال غياب المعايير والشفافية فإن المشاكل والسلبيات ستكون كبيرة، وبالتالي لا بد من اختيار الأشخاص بالتعيينات، وفق أسس ومعايير ثابتة، بناءً على شهاداته وقدراته وخبراته، وغير ذلك.